عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

261

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

تسعة وأربعين يوما يبتدأ فيه بيوم الأحد ويختم به ، وأباح لهم أن يصوموا بقية يوم الأحد فيخرج منهم ثمانية آحاد فيبقى أحد وأربعون يوما ، ذلك مدة صومهم . وكيفية صيامهم أن لا يأكلوا ما يقتات ثلاثا وعشرين ساعة من العصر إلى ما قبله بساعة وهي وقت الأكل ، ويجوز لهم فيما بقي من الأوقات التي يصومون فيها أن يشربوا الخمر والماء ، وأن يأكلوا من الفواكه ما لا يقوم مقام القوت وتحت كل نكتة من هذه سرّ من أسرار اللّه تعالى . ثم إن اللّه تعالى تعبدهم باعتكاف يوم الأحد وبأعياد تسعة لسنا بصدد ذكرها ، وتحت كل لطيفة من هذه علوم جمعه وإشارات شتى ، فلنقبض عن بيانها ولنذكر ما هو الأهمّ من بيان ما تعبد اللّه به المسلمين . وأما المسلمون فاعلم أنهم كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ « 1 » لأن نبيهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم خير الأنبياء ، ودينه خير الأديان ، وكل من هو بخلافهم من سائر الأمم بعد نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وبعثه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضالّ شقيّ معذّب بالنار ، كما أخبر اللّه تعالى ، فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين ، لسرّ سبق الرحمة الغضب ، وإلا فهم مغضوبون ، لأن الطريق التي دعاهم اللّه تعالى إلى نفسه بها طريق الشقاوة والغضب ، والألم والتعب ، فكلهم هلكى قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ « 2 » وأي خسارة أعظم من قوت السعادة المنزلة لصاحبها في درجة القرب الإلهي ، فكونهم نودوا من بعد هو خسارتهم وهو عين الشقاوة والعذاب الأليم ، ولا يعتد بدينهم ولو كان صاحبه يصل بعيد مشقة لأنه دين شقاوة ، فما شقوا إلا باتباع ذلك الدين . ألا ترى مثلا إلى من يعذّب في الدنيا ولو يوما واحدا بأنواع عذاب الدنيا وهو كخردلة وأقلّ من عذاب الآخرة ، كيف يكون شقيا بذلك العذاب ؟ فما بالك بمن يمكث أبد الآبدين في نار جهنم ، وقد أخبرك اللّه تعالى أنهم باقون فيها ما دامت السماوات والأرض ، فلا ينتقلون منها إلى الرحمة إلا بعد زوال السماوات والأرض ، فحينئذ يدور بهم الدور ويرجعون إلى الشيء الذي كان منه البدء وهو اللّه تعالى فافهم . والمسلمون كلهم سعداء بمتابعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، بقوله : لما قال له الأعرابي : أرأيت إذا حللت الحلال وحرّمت الحرام وأديب المفروضة ولم أزد على ذلك شيئا ولم أنقص منه شيئا ، أو كما قال هل أدخل الجنة ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم :

--> ( 1 ) آية ( 110 ) سورة آل عمران . ( 2 ) آية ( 85 ) سورة آل عمران .